منتدي لنشر الفكر الصحيح لجهد التبليغ والدعوة . يحمل فكر مشايخ التبليغ والدعوة.
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الدعوة إلى الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد إمام
Admin
avatar

المساهمات : 293
تاريخ التسجيل : 18/05/2012
العمر : 54
الموقع : منبر الإمام (للدعوة والتبليغ )

مُساهمةموضوع: الدعوة إلى الله   الثلاثاء نوفمبر 17, 2015 7:05 am

الداعي الأول إلى الله تعالى، بعد أن أنعم الله علينا بالإسلام، هو رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} سورة الأحزاب الآية: 45-46. وقد كرر القرآن الكريم الخطاب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأمره بالدعوة إلى الله والاستمرار عليها وعدم التحول عنها، فمن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} سورة الحج الآية: 67، وقوله تعالى: {وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين} سورة القصص الآية: 87، وقوله تعالى: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه المآب} سورة الرعد الآية: 36، وقد ظل صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه تبارك وتعالى حتى أتاه اليقين من ربه وصار الى جواره الكريم راضياً مرضياً فجزاه الله على المسلمين خير الجزاء. الدعوة الى الله وظيفة رسل الله 380- والواقع ان الدعوة إلى الله هي وظيفة رسل الله جميعاً، ومن أجلها بعثهم الله تعالى الى الناس، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا اليهم إلى الإيمان بالله وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى عن نوح عليه السلام: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة الأعراف الآية: 59، وقال تعالى عن هود عليه السلام: {والى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة هود الآية: 53، وعن صالح قال تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة الاعراف الآية: 73، وعن شعيب عليه السلام، قال تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...} سورة الاعراف الآية: 85. وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، الى عبادته وحده، والتبرؤِ من عبادة ما سواه، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} سورة النحل الآية: 36، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها الى الناس. الأمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة الى الله 381- ذكرنا في الفقرة السابقة أن الداعي الأول إلى الله تعالى هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، وذكرنا الآيات الكريمة التي تأمره عليه الصلاة والسلام بالدعوة الى الله، وهذه الآيات يدخل فيها المسلمون جميعاً، لأن الأصل في خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم دخول أمته فيه إلا ما استثني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تبارك وتعالى بالدعوة إليه، ومعنى ذلك أن الله تعالى أكرم هذه الأمة الاسلامية وشرفها أن أشركها مع رسوله الكريم في وظيفة الدعوة إليه. وهذا التشريف والتكريم لا يستفاد فقط من الخطابات الالهية لرسوله بالدعوة إليه كما ذكرنا وإنما هو صريح الآيات الكثيرة في القرآن، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} سورة آل عمران الآية: 110، فهذه الأية الكريمة افادت معنيين: الاول خيرية هذه الأمة، والثاني أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وظيفة رسول الله ورسل الله جميعاً، وأول ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة الى الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه. بل إن القرآن الكريم جعل من صفات المؤمنين الدعوة إلى الله، بخلاف المنافقين الذين يصدون عن سبيل الله و يدعون الى غيره، قال تعالى: {والمنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف..} سورة التوبة الآية: 67، ثم قال تعالى بعد ذلك: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} سورة التوبة الآية: 71. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الاسلام)[1]. وأضيف الى ذلك أن الله تبارك وتعالى، بهذا الآية، وصف الأمة الإسلامية بما وصف به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى عن رسوله: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} سورة الاعراف الآية: 157. من هو المكلف بالدعوة الى الله 382- ومما ذكرنا يتضح بجلاء ان المكلف بالدعوة الى الله هو كل مسلم ومسلمة لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية – وهي المكلفة بالدعوة الى الله – مكلف بهذا الواجب، ذكراً كان أو أنثى، فلا يختص العلماء، أو كما يسميهم البعض رجال الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب على الجميع، وإنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظراً لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته. ويزيد الأمر وضوحاً – وهو أن المكلف بالدعوة إلى الله تعالى هو كل مسلم ومسلمة – قول ربنا جل جلاله: {قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} سورة يوسف الآية: 108. فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنون به، يدعون الى الله على بصيرة أي علم ويقين، كما كان رسولهم صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة ويقين. ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لايمان المسلم أن يدعو الى الله، فاذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه على وجود نقص أو خلل في ايمانه، يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، واجب الدعوة الى الله. قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية "يقول الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة الى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو الى ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي"[2]. وفي الحديث الشريف الذي رواه الامام البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فليبلغ العلم الشاهد الغائب"[3] ويدخل في معنى الشاهد كل مسلم علم من أمر الإسلام شيئاً. 383- والدعوة إلى الله، وهي واجب على كل مسلم ومسلمة، كما قلنا، قد تؤدى بصروة فردية، وقد تؤدى بصورة جماعية، وإذا أردنا الدقة بالتعبير قلنا: إن هذا الواجب يؤدى على نحوين: الأول، نحو فردي بأن يقوم به المسلم بصفته فرداً مسلماً، والثاني، يؤدى هذا الواجب أو جانباً منه بصفته فرداً في جماعة تدعو الى الله تعالى. يدل على هذا كله قول الله تبارك وتعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران الآية: 104، قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وان كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان". والواقع ان تجمع الدعاة للقيام بواجب الدعوة بصورة جماعية، يكون ضرورياً كلما كانت مهمة الدعوة جسيمة، كما لو أريد نشر الدعوة الى الله في المجتمعات الوثنية الجاهلية التي عشعش فيها الشيطان وبيض وصد أهلها عن سبيل الله وأركسهم في حمأة الشرك كما في الأقطار الوثنية في افريقيا ونحوها، فان مثل هذه الأقطار تحتاج الى جهود كبيرة جداً ومنظمة لنشر الدعوة الى الله وتعليمهم أمور الإسلام مما لا يقوى عليه جهد فرد ولا جهود مبعثرة لبعض الأفراد. ويؤيد هذا التبشير بالإسلام على شكل جمعي، ما جاء في السنة النبوية، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من يسلم بالتحول الى دار الهجرة ليضم جهده الى جهود المسلمين وتوجيهها التوجيه السليم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما اننا نجد في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} سورة المائدة الآية: 2، دليلا آخر على مشروعية التجمع والدعوة الجماعية، بل ووجوبها إذا كان البر لا يمكن تحصيله بدون ذلك. وقد اشار الامام أبو حنيفة، على ما رواه الجصاص عنه، الى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود. شبهات واعتراضات 384- قد يتوهم البعض ان واجب الدعوة الى الله لا يلزمه، لأنه ليس من رجال الدين، وإن هذا الواجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط لا على الجميع بدليل قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران الآية: 110. والجواب على ذلك أن تفسير هذه الآية الكريمة، كما نقلناه عن ابن كثير، الفقرة السابقة "أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه". وجاء في تفسير الرازي بصدد هذه الآية: في قوله تعالى: {منكم} قولان: أحدهما: أن "من" هاهنا ليست للتبعيض لدليلين: الأول: ان الله تعالى اوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}. الثاني: هو أنه لا مكلف الا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس. إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة الى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، واما كلمة "من" فهي هنا للتبيين، لا للتبعيض كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الاوثان} سورة الحج الآية: 30. ثم ذكر الرازي القول الثاني وهو ان "من" للتبعيض لأن "في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ثم قال عن أصحاب هذا القول: ان هذا التكليف مختص بالعلماء لأن الدعوة الى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء لا على الجهال، والعلماء بعض الأمة"[4]. وبنفس هذا المعنى وذكر القولين في هذه الآية، جاء تفسير القرطبي وتفسير الجصاص[5] والواقع أن القول الذي ذكره الرازي أصح لما استدل به أصحابه، وهو ما ذكره ابن كثير بعبارته الدقيقة التي ذكرناها، إذ جعل الوجوب على كل فرد، مع لزوم وجود فرقة متصدية لشأن الدعوة الى الخير. والحقيقة أن هناك شيئاً من الالتباس في فهم هذه المسألة بسبب كلمة (العلماء) التي فسر بها أصحاب القول الثاني كلمة "ولتكن منكم أمة" الواردة في الآية باعبتار أن الدعوة الى الخير مشروطة بالعلم. والسبب الثاني لهذا الالتباس متأتٍ من فهم الفرض الكفائي. فلا بد من توضيح هذين الأمرين، فنقول: لا شك أن الدعوة الى الخير، وأعلاها الدعوة الى الله، مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئاً واحداً لا يتجزأ ولا يتبعض وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أن يعد من جملة العلماء بالمسألة الأولى، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة الى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء، ان من جهل شيئاً أو جهل حكمه أنه لا يدعو اليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة. وعلى هذا فكل مسلم يدعو الى الله بالقدر الذي يعلمه كما سنبينه فيما بعد، ويكون هذا المعنى هو المقصود من قولهم: إن الدعوة تجب على العلماء لا على غيرهم، أي على من يعلم المسألة وحكمها التي يدعو اليها، سواء كان من عامة المسلمين أو ممن نال حظاً كبيراً من العلم. وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن المقصود بالعلماء هم الذين نالوا حظاً كبيراً من العلم دون سواهم، وقد يسمونهم برجال الدين. لأن هذه التسمية تصدق على كل مسلم فهو من رجال الإسلام وليست مقصورة على فئة منهم. أما الأمر الثاني الذي يسببه حصل هذا اللبس، وهو معنى الفرض الكفائي، فالمقصود به انه اذا قام به البعض سقط التكليف عن البعض الآخر وان كان واجباً على الكل، قال الرازي: "ثم قالوا – أي أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب على الكل، وان كلمة "من" للتبيين وليست للتبعيض – ان ذلك وان كان واجباً على الكل، إلا أنه متى قام قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} وقوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} فالأمر عام، ثم اذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف على الباقين"[6]. وقال الجصاص وهو يتكلم عن تفسير الآية: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير..} حوت هذه الآية معنيين، أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر انه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل واحد في نفسه اذا قام به غيره"[7] فقوله: ليس بفرض على كل واحد في نفسه إذا قام به غيره، يبين المقصود من الفرض الكفائي وهو سقوطه إذا قام به الغير خلافاً للفرض العيني الذي لا يسقط إلا بالقيام به من كل فرد. وعلى هذا فالدعوة من صفات المؤمنين كما بينا، ولأن الحديث الشريف أمر كل مسلم ومسلمة بازالة المنكر حسب استطاعته، فاذا حصل المقصود بفرد أو افراد لم يطالب الآخرون باعادة المنكر لازالته، ولا يؤاخذون لأنهم لم يزيلوه. والشأن في المسلم المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون انتظار غيره فقد لا يقوم به الغير فيقع في الإثم. والمسلم يدعو الى الله باعتباره مسلماً مؤمناً بالله ورسوله، وقد ذكرنا، قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} سورة يوسف الآية: 108، فلا بد للمسلم أن يدعو الى الله، ولكن لو قدر أنه لم يدع شخصاً معيناً الى الله أو لم يدع في وقت، وقام بالدعوة مسلم آخر، فإن الداعي يؤجر دون الأول، ولكن لو ترك المسلم الدعوة الى الله تركاً دائماً مستمراً متعمداً فإنه لا ينضوي تحت مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو الى الله...} لأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين يدعون الى الله. هذا ومن معاني الفرض الكفائي، انه متوجه الى المسلمين جميعاً بأن يعملوا لتحقيق هذا الفرض، وعلى القادر فعلا أن يقوم بهذا الفرض مباشرة، فيكون معنى الآية: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} أن يقوم المسلمون باعداد هذه (الأمة) أي الجماعة المتصدية للدعوة الى الله وأن يعاونوهم بكل الوسائل ليتحقق المقصود من قيامهم وهو اقامة دين الله ونشر دعوته، فان لم يفعل المسلمون ذلك أثم الجميع، المتأهل للدعوة وغيره[8]. ويقال أيضاً: إن الدعوة الى الله حتى لو قلنا: إنها تجب على البعض دون البعض الآخر باعتبار انها من الفروض الكفائية، فان الشرط للخروج من عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمن يقوم به، ولما كانت الكفاية غير حاصلة، فيجب أن يقوم بهذا الواجب كلم مسلم حسب قدرته، لا سيما في زماننا حيث لا يزال الشرك والوثنية والجاهلية تغشى مجتمعات بشرية كثيرة في افريقيا وامريكا وغيرها من أقطار الأرض المختلفة، ونشر الدعوة الى الله في هذه المجتمعات الجاهلية يحتاج الى جهود جبارة يشترك فيها جميع المسلمين كل حسب استطاعته، بماله او تعليمه، أو بفكره أو بسلطانه. 385- وقد يتشبث البعض، توهماً منه، بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} سورة المائدة الآية: 105، ليتخلص من واجب الدعوة إلى الله ويبرر قعوده وتقاعسه، متوهماً أن هذه الآية الكريمة تعفيه من تكليف الدعوة إلى الله، ما دام هو في نفسه صالحاً مهتدياً. إن هذا الوهم تسرب الى البعض في زمن الصديق أبي بكر رضي الله عنه فخطب في الناس، وقال "يا أيها الناس انكم تقرؤون هذه الآية الكريمة وتضعونها في غير موضعها: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب"[9]. هذا، ويلاحظ أن في الآية نفسها ما يؤكد وجوب الدعوة الى الله تعالى على كل مسلم، وينفي الوهم الذي يتشبث به القاعدون، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في الآية {إذا اهتديتم} والاهتداء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية "إنما يتم باداء الوجب. فاذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال"[10]. 386- وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى، وهي أن الباطل انتشر في الأرض، ولم تعد الدعوة الى الله تنفع شيئاً، وعلى المسلم أن يهتم بنفسه ويدع أمر الخلق. والجواب على هذه الشبهة، كما سنوضحه فيما بعد، أن الواجب على المسلم هوالقيام بواجب الدعوة الى الله، سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا، وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قصّ الله لنا من أخبارهم، وكيف أن الدعاة الى الله ردوا عليهم شبهتهم، قال تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} سورة الاعراف الآية: 164-165. والآية الكريمة تشير إلى أهل قرية صاروا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة: {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} أي: لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم اياهم، فقالت الفرقة المنكرة، بالجواب الصحيح {معذرة إلى ربكم} أي: فيما أخذ علينا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنحن نعتذر إلى ربنا لا نملك إلا أن ندعو هؤلاء العصاة للاقلاع عن معصيتهم والانابة الى ربهم {ولعلهم يتقون} أي: ولعل هذا الانكار عليه ودعوتنا إياهم للانابة الى ربهم والرجوع إليه يدعوهم الى الاستجابة[11]. وفي هذا اشارة الى أنه ما دام هناك احتمال قبول الدعوة فلا بد من استمرار الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. 387- وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى تقوم على فهم سقيم للآية الكريمة {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} سورة البقرة الآية: 286، فيتعلل بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعباً ونصباً لا يستطيع تحمله، والواقع أن هذه حجة ضعاف الايمان رقيقي الدين، فان التعب المزعوم ينالهم في سعيهم للظفر بمآرب الدنيا التافهة كالحصول على ربح مادي زهيد مثلا، فأولى بهم أن يتحملوا شيئاً من التعب في الدعوة الى الله وفي هذا التعب أجر عظيم لهم. والحقيقة ان التعب المزعوم يسير وبسيط، فهل هناك تعب شديد في تعليم الجاهل أمور الإسلام، أو في عرض الإسلام على الكافر الذي لم يسمع بالإسلام؟ وهل يتعب إذا حرك لسانه بالكلام الطيب أو يتعب فكره إذا فكر في أمور الإسلام؟ وهل يتعب تعباً لا يطاق إذا تيسر له السفر الى المجتمعات الوثنية يدعوها الى الله؟ ألا ينظر الى رجال الكنيسة الذين يذهبون ويقضون السنين هناك؟ إن المسلم أولى منهم بالتبشير ونشر الدعوة الى الله بين اولئك الوثنيين، وإن عليه إذا وسوس له الشيطان بالتعب والإرهاق أن يتذكر قول الله تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} سورة النساء الآية: 106. وعليه أن يتذكر أن أصحاب رسول الله تحملوا كثيراً في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، ونذكر على سبيل المثال شيئاً من أخبارهم وجهادهم في سبيل الله، فقد جاء في كتب السيرة، ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع الى المدينة ومعه المسلمون بعد معركة أحد جاءه الخبر – أن أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الرجوع الى المدينة – لاستئصال من بقي من المسلمين. فلما صلى الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح، أمر بلالاً فنادي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم لطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس. فخرج معه سعد بن معاذ الى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريح فقال: إن رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوكم. فقال أسيد بن حضير – وبه سبعه جراحات يريد أن يداويها – سمعاً وطاعة لله ولرسوله، وأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء سعد بن عبادة قومع، وجاء أبو قتادة الى طائفة فبادروا جميعاً، وخرج من بني سلمة أربعون جريحاً – بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحاً، وبالحارث بن الصمة عشر جراحات – حتى وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لما رآهم: "اللهم ارحم بني سلمة"[12]. وهكذا كان صحابة رسول الله وهذا نموذج من جهادهم في سبيل اعلاء كلمة الله، فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلا في الدعوة الى الله ونشر محاسن الإسلام وتعليم الناس مكارم الأخلاق؟ الا يستحي من نفسه إذا استكثر الجهد البسيط الذي يبذله في الدعوة الى الله، وصحابة رسول الله يخرجون جرحى للقتال وهم يقولون: سمعاً وطاعة لله ولرسوله. تعليل تكليف المسلم بالدعوة الى الله 388- ذكرنا في الفقرات السابقة الأدلة الشرعية على وجوب الدعوة الى الله على كل مسلم ومسلمة. ومعنى ذلك أن الإسلام لا يكتفي من المسلم بأن يكون في نفسه صالحاً مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً وهادياً لغيره، فما تعليل ذلك؟ تعليل ذلك من وجوه: الوجه الأول – إن الله تعالى أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعاً {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} سورة الأعراف الآية: 158، ورسالته عليه الصلاة والسلام باقية إلى يوم الدين. ومقصدها هداية الخلق أجمعين ليفوزوا بالسعادة في الدارين، ولهذا كانت رسالته رحمة للعالمين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} سورة الأنبياء الآية: 107، وقد بلّغ عليه الصلاة والسلام رسالة ربه ومضى إلى جواره الكريم راضياً مرضياً، فكان لا بد للمسلمين من النهوض من بعده وتبليغ دعوة الإسلام إلى أهل الأرض ليهدوهم بها ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} سورة ابراهيم الآية: 1. فهم شهداء الله على خلقه ومبلغو رسالته إليهم بعد نبيهم {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} سورة البقرة الآية: 143. إن قيام المسلم بالدعوة إلى الله يؤدي أعظم نفع وعون لعباد الله، لأنه يمد إليهم يدا كريمة تنقذهم مما هم فيه من رجس الشرك والوثنية، ويضعهم على صراط الله المستقيم، فيؤدون حق ربهم عليهم، ويحققون الغاية التي من أجلها خلقوا {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون} سورة الذاريات الآية: 56. الوجه الثاني – إن بقاء الشرك والكفر في الأرض يؤثر عاجلا أو آجلا على معاني الإسلام القائمة في أي جانب من جوانب الأرض، ولهذا يمنع الإسلام المسلم من البقاء في ديار الكفر ويأمره بالتحول الى ديار الإسلام لئلا يفتتن في دينه أو يمرض قلبه أو يسلب إيمانه، قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} سورة النساء الآية: 97. وقال أهل التفسير في هذه الآية: إنها نزلت "في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من اقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالاجماع"[13] وقال الامام مالك "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهراً ولا يستتر فيها"[14]. وعلى هذا فقيام المسلم بدعوة أهل الشرك والكفر إلى الله وإلى دينه، يفيده ويقيه شرور الكفر. الوجه الثالث – دفع الهلاك والعذاب عن المسلمين، قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} سورة الأنفال الآية: 25. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب أي يصيب الصالح والطالح. وفي مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"[15]. الدعوة الى الله بقدر حال الداعي وقدرته 389- وإذ تبين ان الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم، فان هذا الواجب يتحدد بقدر حال الداعي وقدرته، لأن القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة العلم والسلطان. فيجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين. ولهذا فان الله سبحانه وتعالى خص بالانذار والوعيد أهل العلم وحذرهم من كتمان الحق الذي عرفوه. قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} سورة البقرة الآيتان: 159 و 160. فأوجب الله تعالى على أهل العلم أن يبينوا للناس ما علموا من معاني الإسلام، وأن ينشروها بين الناس لينقذوهم من أوضار الشرك. وكل من عرف شيئاً من معاني الإسلام فهو عالم بهذا الشيء وعليه تبليغه إلى من يجهله فليس العلم شيئاً واحداً لا يتجزاً ولا يتبعض، وإنما هو قابل للتجزئة، وكل مسلم يعلم أنه لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله وان الحساب في يوم القيامة حق وان القرآن كلام الله حق، وان محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان الصلاة والصيام والحج والزكاة من فرائض الاسلام، فعليه أن يبلغ ما علمه، أما يجهله فلا يكلف بتبليغه ولا تعليمه لأنه يجهله، وفاقد الشيء لا يعطيه. والنوع الثاني من القدرة، وهو السلطان والتمكين في الأرض، فقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع واوجب على اصحابه أن يستعملوا ما وهبه الله لهم من تمكين وسلطان في نشر الدعوة إلى الله تعالى واعمار الارض بفضائل الاعمال وبعبادة الله تبارك وتعالى، قال عز وجل {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} سورة الحج الآية: 41، وقد قال أهل التفسير في المراد من أهل التمكين في الأرض: إنهم الولاة، ومنهم من أدخل فيهم العلماء[16]، والأول أظهر، وعلى هذا فمن اتاه الله تعالى الملك والسلطان فعليه أن يعمر الأرض بعبادة الله وعلى رأسها الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعلى رأس المعروف الدعوة إلى الله، وعلى رأس النهي عن المنكر النهي عن الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وهذا هو مقصود الولاية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "انما نصب الإمام ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية"[17]. وقد فقه هذا المعنى ولاة الأمر في الماضي، فاستعملوا سلطانهم في اقامة دين الله والدعوة اليه. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله في الاقاليم كتاباً جاء فيه "وان من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة.. فادع إلى الإسلام وأمر به، فان الله تعالى قال: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}[18]. والحقيقة أن قيام ولي الأمر بواجب الدعوة إلى الله يؤدي إلى نتائج كبيرة جداً ومؤثرة جداً لأنه يملك القوة والسلطان وبيده الأمر والنهي مما يجعله قادراً على التنفيذ أكثر من أي واحد من آحاد الرعية، ولهذا جاء في الأثر المشهور "أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وبقدر قدرة المسلم على الدعوة والتنفيذ يكون واجبة في الدعوة إلى الله ومسؤوليته عن ذلك. الداعي يدعو إلى الله في كل وقت وفي جميع أحواله وظروفه 390- قلنا: إن الدعوة إلى الله واجب على المسلم فهو يؤديه بهذا الاعتبار... وواجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدد كالصلاة والصيام، ولهذا فان هذا الواجب يؤديه المسلم في جميع الاحوال والظروف وفي كل وقت يتيسر له فيد اداؤه، قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام {قال ربي إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً... ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً} سورة نوح الآية: 5، 9، وكذلك كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم (يدعو قومه ليلا ونهاراً وسراً وجهاراً ولم يشغله شيء عن الدعوة إلى الله تعالى)[19]. والواقع أن الداعي إذا كان صادقاً في دعوته منشغلاً بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبداً حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعندما هاجر الى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقي في طريق بريدة بن الحصيب الاسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا[20]. وهذا يدل على انه عليه الصلاة والسلام لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهو في طريقه مهاجراً إلى المدينة والقوم يطلبونه. ويوسف عليه السلام عندما دخل السجن مظلوماً لم يشغله السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} سورة يوسف الآية: 39، 40. المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس. 391- المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، قال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} سورة العنكبوت الآية: 18، فاذا كان الرسول غير مكلف إلا بالتبليغ فغيره من احاد الأمة أولى أن لا يكلف بغير التبليغ. وتعليل ذلك من وجهين: الأول: أن القاعدة الأًصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره أي لا يكلف أن يفعل غيره فعلا معيناً أو يترك فعلاً معيناً، لأن هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وانما يكلف الانسان أن يفعل هو فعلا معيناً يتعلق بغيره وقد يحمله على الفعل، كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمسلم مطالب ومكلف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور فيكون أمر الآمر سبباً لفعل المأمور وقد لا يستجيب المأمور، ولهذا مدح الله تعالى أحد أنبيائه بأنه {وكان يأمر أهله بالصلاة} سورة مريم الآية: 55، فالذي يملكه المسلم ويكلف به أن يأمر غيره بالمعروف ويدعوه إلى عبادة الله ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلا معيناً. الوجه الثاني: إن الاستجابة والهداية بيد الله وحده، فهو الهادي {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء...} سورة المدثر الآية: 31، ولله الحجة على عباده، ولو شاء لهداهم أجمعين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أما هداية التبليغ والبيان والدعوة فهي للرسل ولسائر الدعاة، فهم المكلفون بها، قال تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {وانك لتهدي إلى صراط مستقيم} سورة الشورى الآية: 52، مع قوله في آية أخرى {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} سورة القصص الآية: 56. الاستمرار على الدعوة إلى الله وان لم يستجب أحد 392- وإذا كان المطلوب من المسلم أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يهدي الناس، فعليه أن يستمر على الدعوة بلا كلل ولا ملل ولا فتور لأن واجبه البلاغ والتبيين وهذا متعلق به فعليه أن يؤديه كما يؤدي سائر العبادات، وان لم يستجب له أحد، ألا ترى أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله الف سنة إلا خمسين عاماً؟ وهكذا كان رسل الله يدعون أقوامهم مدة حياتهم فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم ومنهم من لم يستجب له أحد. وقال الإمام النووي: "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فان الذكرى تنفع المؤمنين فإن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول"[21] ووجه الدلالة بهذا القول ان الدعوة الى الله في رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيسري عليها معنى هذا القول. وبهذا المعنى قال السيوطي في اشباهه[22]. ومما يؤكد وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله حرمة اليأس، واحتمال الإجابة، لأن الامور بيد الله وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم الإجابة فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ والارشاد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. أجر الداعي على الله لا على العباد 393- الداعي إلى الله يؤدي واجباً ويقوم بعبادة امتثالا لأمر الله، والأجر على العبادة يناله العابد من الرب الجليل تفضلا منه واحساناً وعلى هذا فلا يطلب الداعي من أحد من الخلق أجراً على دعوته ولا مالا ولا ثناء ولا جاهاً ولا أي عوض من الاعواض المادية أو المعنوية قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: {فان توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} سورة يونس الآية: 72، وقال عن نبينا صلى الله عليه وسلم {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي} سورة الشورى الآية: 23، أي الا أن ترعوا قرابتي معكم فتسمحوا لي بالدعوة إلى الله تعالى ولا تمنعوني منها ولا تصدوا الناس عنها. وهكذا شأن جميع رسل الله. يدعون الناس إلى الله ولا يبغون منهم جزاء ولا شكورا لأن أجرهم على الله الكريم، قال تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} سورة ياسين الآية: 21. مكانة الداعي في الإسلام 394- مكانة الداعي إلى الله في الإسلام مكانة عظيمة جداً. فقوله في الدعوة إلى الله أحسن الأقوال في ميزان الله وهو أصدق الموازين، قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} سورة فصلت الآية: 33، وهذه الآية كما قال أهل التفسير، عامة فيمن دعا إلى الله وهو في نفسه مهتد يعمل الخير ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم[23]. ان كلمته في الدعوة إلى الله – لا سيما عند الجحود وشيوع التمرد على الله – هي أحسن كلمة تقال في الأرض وصاحبها بهذه الصفة من الصلاح في نفسه مع استسلامه لله رب العالمين. أما أجر الداعي إلى الله فأجر عظيم قال صلى الله عليه وسلم "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم" وفي حديث آخر "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". اللهم اني اسالك شهادتا في سبيلك بعد عمر طويل في سبيلك شبكة الدعوة والتبليغ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mnbr.forumegypt.net
 
الدعوة إلى الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منبر الدعوة والتبليغ :: منبر التبليغ والدعوة-
انتقل الى: